الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

363

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

للوصول إلى السعادة والخيرات المادية والمعنوية . والظريف هنا أن بيان نعمة ( تعليم القرآن ) ذكرت قبل خلق الإنسان وعلمه البيان في الوقت الذي يفترض فيه أن تكون الإشارة أولا إلى مسألة خلق الإنسان ، ومن ثم نعمة تعليم البيان ، ثم نعمة تعليم القرآن ، وذلك استنادا للترتيب الطبيعي ، إلا أن عظمة القرآن الكريم أوجبت أن نعمل خلافا للترتيب المفترض . وقد جاءت هذه الآية جوابا لمشركي العرب حينما طلب منهم الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) السجود للرحمن ، فسألوه " وما الرحمن " ؟ ( - الفرقان - ) فأجابهم بتوضيح ذلك حيث يقول سبحانه : " الرحمن هو الذي علم القرآن وخلق الإنسان وعلمه البيان " . وعلى كل حال فإن لاسم " الرحمن " أوسع المفاهيم بين أسماء البارئ عز وجل بعد اسم الجلالة ( الله ) لأننا نعلم أن لله رحمتين : ( الرحمة العامة ) و ( الرحمة الخاصة ) واسم " الرحمن " يشير إلى رحمة الله العامة التي تشمل الجميع ، كما أن اسم " الرحيم " يشير إلى " الرحمة الخاصة " بأهل الإيمان والطاعة ، ولعله لهذا السبب لا يطلق اسم الرحمن على غير الله سبحانه ( إلا إذا كانت كلمة عبد قبله ) ، أما وصف " الرحيم " فيقال لغير الله أيضا ، وذلك لأنه لا أحد لديه الرحمة العامة سوى الله تعالى ، الرحمة أما الرحمة الخاصة فإنها موجودة في المخلوقات وإن كانت بصورة محدودة . وفي حديث للإمام الصادق ( عليه السلام ) نقرأ ما يلي : " الرحمن اسم خاص بصفة عامة ، والرحيم اسم عام بصفة خاصة " . ( يعني أنه اسم مخصوص لله ، ورحمته تشمل جميع خلقه ) ، لكن الرحيم اسم عام لصفة خاصة ( يعني أنه وصف يستعمل لله وللخلق ) ، وكما عرف القرآن المجيد الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بأنه ( رؤوف رحيم ) حيث يقول سبحانه : بالمؤمنين رؤوف رحيم . ( 1 )

--> 1 - التوبة ، 128 .